نص الورقة المقدمة من فخامة رئيس الجمهورية لندوة توثيق تاريخ الثورة اليمنية

قدم فخامة الرئيس علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية ورقة إلى ندوة توثيق تاريخ الثورة اليمنية الجزء السادس ملحمة السبعين الوقائع.. الدروس.. العبر حول شهاداته عن ملحمة السبعين يوما.
و استعرضت الورقة الظروف والمناخات السياسية والعسكرية التي رافقت فترة الحصار الذي تعرضت له العاصمة صنعاء والمدافعين عنها من قبل فلول القوات الامامية والمرتزقة الذين كانوا يحاربون في صفوفها والدور الذي اضطلع به المدافعون عن صنعاء في دحر الحصار عن العاصمة صنعاء.
نص الورقة:
استجابة للواجب الوطني الذي التزمنا به لتوثيق تاريخ الثورة اليمنية.. ونظراً لأهمية الجزء السادس من الندوة والذي ينعقد احتفاءً بالذكرى الـ40 لملحمة السبعين يوماً تحت عنوان (ملحمة السبعين يوماً) الوقائع.. الدروس والعبر أسجل شهاداتي في هذه الورقة عن بعض وقائع ملحمة السبعين يوماً من خلال موقعي في خنادق الدفاع عن الثورة والجمهورية الى جانب آلاف المناضلين الذين ساهموا في صناعة هذا الحدث العظيم.
وفي البداية أود أن أؤكد على عدة ملاحظات أساسية أبرزها:
1- إن ما سطر على هذه الورقة عن ملحمة السبعين هو الشيء القليل من المعلومات التي كتب لها البقاء في الذهن، والصمود امام فعل الزمن وهموم الحياة العملية ومشاكلها اليومية، وهذا لا يرتقي إلى مستوى ضخامة الحدث وأهميته التاريخية وأبعاده السياسية وطنياً وإقليمياً ودولياً، وأملي أن يشكل إضافة نوعية مكملة لشهادات زملائي المشاركين في صنع هذه الملحمة.
2-إن أغلب المقاتلين كان كل واحد منهم يخوض في اليوم عدة معارك وفي مواقع مختلفة وعلى مدى 70 يوماً، وكانت لحظات حياته مشحونة بالأفعال والحوادث طوال ساعات الليل والنهار، هجوماً هنا، ودفاعاً هناك تقدم وتراجع في هذا الموقع أو ذاك، استشهادات وبطولات فردية وجماعية ومعارك متواصلة لا أحد يثق بالخروج منها سالماً، كانت الحرب متواصلة وعنيفة ومشاهدها تتعاقب دون أن تعار اهتماماً يذكر في غمرة الصراع، لم نكن نهتم بعملية تدوين تفاصيل الأحداث والوقائع.
فكل يوم كان تاريخاً بذاته ومن الصعب على اي مقاتل ميداني ان يدون أياً من تفاصيل هذا اليوم ووقائعه ومعاركه التي تتلاحق بسرعة كبيرة، لا تجاريها سوى سرعة الموت الباحث عن ضحايا جدد وسط هذه المعركة وداخل منازل المواطنين.
3- لقد كانت واجبات المدافعين وقناعاتهم ان يصنعوا هذه الملحمة البطولية ويسطرون أحداثها بأرواحهم ودمائهم، تاركين للباحثين والمؤرخين والمثقفين مهمة تدوينها في سجلات التاريخ بالحبر.
4- اليوم وبعد 4 عقود يصعب على الكثيرين التحدث عن كل المعارك والأحداث التي شارك فيها مالم يدون وقائعها المباشرة في مذكراته، وهذا لم يكن متاحاً إلا للبعض بحكم طبيعة المهنة، ولكن هناك استثناء لبعض الوقائع والأحداث التي تظل عالقة في الذاكرة بتفاصيلها الدقيقة، لأي سبب من الأسباب الخاصة التي تمس بشكل مباشر وجدان وحياة الإنسان القريب منها.
5- في مثل هكذا أحداث عظيمة يكون دور الفرد نسبياً ومحدوداً جداً مهما كان كبيراً ومهماً، فالانتصار كان نتاج إرادة، وجهود وتضحيات وبطولات وطنية جامعة شاركت فيها إلى جانب القوات المسلحة مختلف قطاعات الشعب طلاب، عمال، مزارعين ومثقفين وتجار.. إلخ، ومن الصعوبة على الإنسان أن يتحدث عن أدواره حتى لا تطغى الذاتية وتفقد عملية التوثيق الكثير من مصداقيتها، وتعتريها الشكوك خاصة عندما تفتقر إلى الوثائق والشهادات الكافية التي تسند هذه الأحاديث الذاتية.. فلنتحدث في مثل هذه الندوات عن أدوار الآخرين وأعمالهم وإنجازاتهم وندع الآخرين يتحدثون عن أدوارنا.
6- إن التقييم الواقعي القريب من الحقيقة لأي حدث تاريخي مثل (ملحمة السبعين) يتطلب بالضرورة استقصاء العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في طبيعة الحدث ونتائجه، إذ لا يمكن تقييم النتائج بمعزل عن مقدماتها، وفي هذه الورقة سأحاول استقراء بعض العوامل المؤثرة في مجريات الأحداث التي كان لها أثر على نتائج هذه الحرب.
الأهمية الوطنية والتاريخية للانتصار
تعتبر ملحمة السبعين يوماً واحدة من أعظم معارك الوطن في التاريخ المعاصر، من حيث أهميتها ونتائجها وأبعادها الوطنية سياسياً وعسكرياً، فقد كانت زاخرة بأحداث كبيرة، وتضحيات جسيمة ومآثر بطولية خالدة يستحيل على الزمن طي صفحاتها أو تجاهلها.
لقد خطط أعداء الثورة في هذه المعركة للسيطرة على صنعاء خلال أيام قليلة عبر هجوم شامل خاطف، وكان رهانهم مبنياً على قوتهم العسكرية الكبيرة وتفوقهم الكبير في العدة والعتاد وأسلحتهم المتطورة، إلى جانب تفردهم بإمتلاك مجمل العوامل المادية والعسكرية للنجاح في هذه الحرب، هذا الرهان تحطم منذ اليوم الأول للهجوم المعادي وفشله الذريع وخسائره الكبيرة أمام الصمود الأسطوري للمدافعين، وبطولاتهم الخارقة للعادة،هذا الصمود الذي ألتحمت فيه إرادة السكان مع إرادة المدافعين مثل الضربة العسكرية الأولى التي ألحقت أضراراً جسيمة وآثاراً كبيرة في الروح المعنوية والحالة النفسية للقوى المعادية، وشكل هذا الصمود عاملاً حاسماً في تغيير مجريات معارك الحصار لصالح قوى الثورة.
فشلت كافة محاولات الأعداء المتواصلة ليلاً ونهاراً في اقتحام المدينة الباسلة، وتكبدوا خسائر جسيمة، وأدركوا استحالة قهر إرادة الثورة وإرادة التغيير، وتقهقروا مهزومين، وتحطمت خططهم في السيطرة على العاصمة، وبالتالي تبددت نهائياً احلامهم في استعادة السلطة والعودة بعجلة التاريخ إلى الخلف.
في معارك السبعين تجلت بوضوح أهم شروط انتصار الثورة واستمرارها المتمثل في قدرتها على الدفاع عن نفسها، وكان لهذا الانتصار أهمية تاريخية في الحفاظ على عاصمة الثورة وإعادة الاعتبار لها، ولما حل بها من دمار واستباحة وحشية من قبل قوى الإمامة بعد فشل ثورة 48 الدستورية.
هذه الملحمة الوطنية حسمت بشكل نهائي حرباً ظلت مستعرة أكثر من خمس سنوات، وكانت ايذاناً بتحول نوعي جذري في مجرى الصراع المرير بين قوى الثورة والقوى المضادة لها، قوى التقدم والحضارة، وقوى التخلف والظلام.”
من الناحية العسكرية مثلت هذه الملحمة مدرسة حربية، زاخرة بالدروس والخبرات الميدانية المتميزة في مختلف مجالات الحرب والفن العسكري، وما حصل في هذه الحرب يعتبر إضافات نوعية للتاريخ الوطني العسكري، وحاجتنا إلى مثل هذه الندوات لا تنحصر في سرد وتوثيق الوقائع والأحداث بل معرفة قيمتها وأهميتها التاريخية والدراسات العلمية والسياسية والعسكرية لنستشف من هذه الملحمة خبراتها الميدانية، وما تمثله من إضافات نوعية في الفن والاستراتيجية الحربية لشعبنا، يجب ان لا نكتفي بالتوثيق لمعارك الوطن الكبيرة والحاسمة بل علينا استيعابها ضمن خططنا وبرامجنا ومناهجنا الدراسية والتربوية للحفاظ على استمرار قوة فعلها وأثرها في عقول وأفئدة أجيال الحاضر والمستقبل.”
تعتبر حرب السبعين الحرب الوحيدة التي أجمع فيها الخبراء العسكريون والمراقبون السياسيون على حتمية حسمها لصالح القوى الملكية، وكان الاختلاف الوحيد بينهم، حول عدد الأيام أو الأسابيع التي يحتاجها الملكيون للقضاء على النظام الجمهوري.. وهذه هي الحرب الوحيدة التي أفضت إلى نتائج معاكسة لكل التوقعات، التي جاءت من خارج إطار المدافعين عن صنعاء.
الوضع عشية الحصار
شكلت ثورة 26 سبتمبر أول وأهم الحركات الثورية التحررية في المنطقة، وحدثاً تاريخياً كبيراً مثَّل من حيث أهدافه الوطنية والقومية والإنسانية منعطفاً جديداً في تاريخ المنطقة كلها، الأمر الذي جعل منها هدفاً للقوى الرجعية الاستعمارية، وفي الوقت ذاته حظيت بدعم ومساندة قوى التقدم والتحرر العربية والدولية.. كما تناقضت المواقف الإقليمية والدولية من الثورة بين مؤيد ومعادي، أحدث اكبر عملية فرز سياسية دولية، صاحبها فرز اجتماعي اشد حدة على الصعيد الداخلي بين جمهوريين وملكيين، وتحولت البلد خلال سنوات ما بعد الثورة إلى واحة حرب مفتوحة مباشرة وغير مباشرة بين طرفي هذا الفرز.
الوضع السياسي والعسكري للبلد عشية الحصار كان نتاجاً منطقياً لهذا الفرز وللأحداث والتطورات المحلية والدولية على امتداد خمس سنوات من الحرب المتواصلة التي نجحت خلالها الثورة في تثبيت وجودها والدفاع عن شرعيتها بدعم قوي من مصر العروبة والدول الصديقة الأخرى، إلا أن ذلك كان على حساب برامج الثورة وأهدافها التنموية، واستنزاف متواصل لإمكاناتها المحدودة وعلى حساب قدراتها وجهودها في التغيير والإصلاح الداخلي.”
على الصعيد السياسي والاجتماعي كانت البلد تعيش حالات تمزق وتناقضات مركبة، المجتمع اليمني منقسم بين معسكرين متصارعين جمهوريين وملكيين، وكل معسكر كان في حالات من المد والجزر غير المستقرة.”
في الصف الجمهوري سادت حالات أخرى من الخلافات والتشققات التي أضعفت هذا المعسكر، وبرزت في مراحل مختلفة بفعل الطابع الوطني الديمقراطي للثورة، وظروف الحرب الاستثنائية التي عاشها البلد وما صاحبها من صعوبات وتعقيدات وأزمات في مختلف الجوانب والتآمرات ومحاولات الدس بين صفوف الوطنيين، مجمل هذه العوامل انعكست سلباً على واقع الحركة الوطنية وبروز الكثير من الخلافات والانقسامات في صفوفها… بعضها ذات جذور سياسية إيديولوجية حزبية، وبعضها لها علاقة بالمواقف من الوجود والدور المصري وحدود تدخله المباشر في الشأن الوطني، وبعضها تتعلق بالمواقف من القوى الاجتماعية المناصرة للملكيين وكيفية التعامل والحوار معهم وهذا الموقف يتعلق بهوية وطبيعة الدولة التوافقية، وهناك خلافات أفرزتها التطلعات الذاتية للسيطرة على السلطة أو محاولة احتكارها.
في ظل هذه التباينات والانقسامات غابت الرؤية والمواقف الموحدة داخل الصف الجمهوري من التطورات والأحداث المتسارعة داخلياً وخارجياً، البعض منهم غادر البلد إلى دول الشتات بحثاً عن الأمن، ومشاريع جديدة والبعض الآخر حاول أن يمد جسوراً للتواصل مع بعض أطراف القوى الملكية للبحث عن صيغة جديدة للواقع، والبعض الآخر غرق في دوامة العمل الحزبي الموجه ضد الآخر المختلف معه في الرأي والموقف، وهذا الواقع غير السوي شكل خطراً جدياً على الثورة ومشروعها الوطني التحرري الحضاري، وخدم إلى حد كبير أهداف ومساعي القوى الرجعية التي تحاول القضاء على الثورة أو إفراغها من مضامينها وأهدافها ومبادئها… وداخل حلبات صراع هذا الواقع كانت هناك قوة حية داخل القوات المسلحة والمجتمع المدني شكلت بوحدتها ويقظتها سياجاً وحصناً للثورة وكانت تخوض حرباً عسكرية على جبهات القتال وحرباً سياسية أخرى داخل صفوف المجتمع.
شكلت نكسة 5 حزيران هزيمة للمشروع القومي التحرري وترتبت عنها تبدلات جوهرية في ميزان القوى السياسية والعسكرية على الساحة اليمنية لصالح القوى الاستعمارية والرجعية المعادية للثورة ومشروعها، وأصبحت الظروف الداخلية والخارجية مواتية لهذه القوى لتوجيه ضربتها الأخيرة، وتُحقق انتصارها النهائي بالتخلص من الوجود العسكري المصري في اليمن، والتفرد بالقضاء على الثورة والجمهورية في شمال الوطن وإعادة بيت حميد الدين وهذا بدوره سيؤدي إلى محاصرة الثورة في الجنوب والقضاء عليها وإطالة أمد الاحتلال البريطاني للمنطقة..
“لقد أدركنا بشكل مبكر حتمية خروج القوات المصرية من اليمن بفعل العدوان الإسرائيلي وضغط القوى الرجعية واستقرانا حقيقة التحديات وخطورة الوضع الذي نحن مقدمون عليه، إذ لا خيار أمامنا سوى الاعتماد على الذات والانتصار لقضايانا الوطنية التحررية وحماية النظام الجمهوري في شمال الوطن وطرد الاستعمار البريطاني من جنوبه، وهنا أود الإشارة إلى أن نجاح إخواننا ثوار الجنوب في السيطرة على مدينة كريتر في 20 يونيو 67م كان له اثر ايجابي على واقع الحركة الوطنية اليمنية، فهذا الانتصار الذي مثل رداً يمنياً على هزيمة العرب، رفع من روحنا المعنوية، وعزز من ثقتنا بالانتصار.
“الوضع الخطير الناشئ بعد نكسة 5 حزيران حتم علينا اتخاذ مواقف أكثر ايجابية لمواجهة الاستحقاقات القادمة، فالكل كان مطالب بمواقف مسؤولة وادوار وطنية طليعية تسمو فوق الانقسامات والاختلافات وبدأت بوادر العمل من أجل التصالح.
أولاً: بين السلطة ومعارضيها، حيث تم إطلاق سراح حكومة العمري بما في ذلك القيادات التاريخية التي كانت مسجونة في مصر وتم استدعائهم للعودة مع بعض الاستثناءات للعسكريين وتم التواصل مع الزعامات العسكرية القبلية من الجمهوريين المناوئين للسلال الذي عاد كثيراً منهم إلى
صنعاء.
وثانياً:التصالح بين المنظمات والأحزاب السياسية، واتجهت الجهود نحو تشكيل تحالف بين مختلف القوى المتعارضة داخل الصف الجمهوري.
والتحول النوعي في هذا الحراك الوحدوي حدث في3 أكتوبر 67م، ففي ذلك اليوم شهدت صنعاء اكبر التظاهرات ضد اتفاقية الخرطوم واللجنة الثلاثية، ورغم أعمال العنف التي تخللتها بسبب وجود أعضاء اللجنة في مقر قيادة القوات المصرية ووجود مندسين في أوساط المتظاهرين، وراح ضحيتها عدد من المواطنين وحوالي 30 جندياً من القوات المصرية، إلا أن وحدة الموقف الرسمي والشعبي الرافض لمشروع (الدولة الإسلامية والحكومة العريضة من الأطراف المعنية) شكلت البداية العملية لتشكل جبهة وطنية غير معلنة تصدت لهجمات القوى المعادية ومشاريعها السياسية فيما بعد، هذا الحراك الوطني الموحد، مثل قوة الرفض الشعبي للحلول الاستسلامية، ومساعي الصلح السياسي الهادف ضرب وتدمير مكاسب الشعب.
إن تطورات الأحداث بشكل متسارع، وتعاظم الخطر المحيق بالثورة والنظام الجمهوري، فرضت نفسها علينا كخيارات إستراتيجية، سمت فوق كل الخلافات وحالت دون تعميق الشرخ في الصف الجمهوري، ودفع بكافة الأطراف الجمهورية المتنازعة في شمال الوطن وجنوبه إلى الالتفاف حول الثورة والدفاع عن الجمهورية وعاصمتها صنعاء.
كانت بداية الحصار متزامنة مع مغادرة آخر جندي مصري ميناء الحديدة، ومغادرة آخر جندي بريطاني ميناء عدن، وقد رفض الرئيس قحطان الشعبي وقيادة الجنوب فكرة الوحدة الفورية في ذلك الوقت وكان تبريرهم هو الخشية من سقوط النظام الجمهوري في صنعاء، وحتى يظل النظام الجمهوري قائماً في عدن ليكون قاعدة انطلاق للأحرار والثوار اليمنيين لمحاربة الملكيين وإعادة النظام الجمهوري فيما لو سقط في صنعاء.
الوضع العسكري
أدى انسحاب الجيش المصري البالغ تعداده 70 ألف جندي مع جميع أسلحته ومعداته، إلى إحداث اختلال مريع في موازين القوى العسكرية على الساحة، سيما وأن الجيش الوطني من حيث تعداده وتجهيزه وتسليحه كان ضعيفاً إذا ما قورن بقوة العدو، وبفعل جملة من العوامل السياسية والمادية والعسكرية كانت عملية بناء الجيش اليمني الحديث تسير بشكل بطيء إلى جانب أن هذا الجيش كان يتعرض لعملية استنزاف متواصلة في قدراته البشرية والمادية بفعل اتساع نطاق الحرب واستمرارها لأكثر من خمس سنوات.
“لقد تميز جيشنا رغم قلة تعداده، بأنه ذات عقيدة ثورية ووطنية راسخة وإيمان مطلق بعدالة قضيته وثقته بالنصر، وهذا الجيش كان قد صقل في أتون معارك ضارية مما اكسبه خبرات قتالية عالية، اتسم جميع عناصره بإعداد سياسي ومعنوي وثوري رفيع وبسجايا وطنية وقتالية وأخلاقية شكلت في مجملها أهم عوامل النصر في ارض المعركة، والأهم من ذلك أن الأغلبية الساحقة في هذا الجيش كان يشعر بأنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن سلامة النظام الجمهوري ومصير الثورة التي صنعوها بتضحياتهم، وللأمانة التاريخية أقول أن كل فرد من هؤلاء كان على ثقة مطلقة بالنصر.
“من جانبها، حرصت القيادة في ذلك الحين على استكمال تجهيز هذا الجيش بالأسلحة والمعدات والذخائر اللازمة لخوض معركة مصيرية طويلة، فمنذ اليوم الأول لانسحاب القوات المصرية من صنعاء إلى الحديدة بدأ جسر جوي من موسكو إلى صنعاء بمعدل 18 طائرة يومياً، استمر هذا الجسر بالعمل حتى اقفل مطار الرحبة.
وفي هذه الفترة وصلت إلى صنعاء معدات وأسلحة تم التعاقد عليها في العام 1964م مع الاتحاد السوفيتي قبل الحصار وتم حينها تزويد الجيش بسرب من طائرات ميج 17 وقاذفات اليوشن 28 بالتزامن مع تخرج أول دفعة من
الطيارين اليمنيين، الذين لعبوا دوراً حاسماً في مسار معارك السبعين وحافظوا على إبقاء العاصمة المحاصرة مربوطة بجسر جوي من الإمدادات العسكرية التي كانت تصلها ليلاً ونهاراً.
نص الورقة المقدمة من فخامة رئيس الجمهورية
… إضافة خامسة
“خلال شهر نوفمبر حين كان الجميع منهمكين في إعداد وتجهيز الجيش والشعب للحرب كنا نتعرض لحملة دعائية إعلامية معادية قوية، لقد تم التمهيد لمعركة الحصار بحرب إعلامية ونفسية ودبلوماسية عنيفة وواسعة النطاق شاركت فيها مختلف وسائل الإعلام في الدول الاستعمارية الغربية والأمريكية والرجعية ومرتزقتها وأجهزتها الاستخبارية العاملة في اليمن.
وساهم في ذلك الإعلام المصري الذي ربط مصير الثورة وقدرتها على الاستمرارية بوجود الجيش المصري في اليمن، وقلل من قدرة الشعب اليمني على حماية الثورة وكان لهذا الإعلام الحليف أثراً سلبياً قوياً على نفسية الشعب والأطراف الحليفة للجمهورية، واستغلت وسائل الإعلام المعادية قضية انسحاب السفارات الأجنبية من صنعاء باستثناء “سفارات سوريا والجزائر والصين” وكذلك الخبراء والفنيين الروس، وترك بعض قيادات القوات المسلحة مهامهم في رئاسة الأركان العامة وقيادة الوحدات ومغادرتهم صنعاء إلى الخارج أو إلى بعض المحافظات لتثبت للعالم أن جميع حلفاء الجمهورية الوليدة قد تخلوا عنها، وذهبت بعض وسائل الإعلام الحليفة مثل وكالة تاس السوفيتية، وصحيفة الأهرام المصرية إلى الإعلان بأن النظام الجمهوري لن يصمد أكثر من أربعة أيام أمام الهجوم المعادي.
“للحقيقة أقول أن هذه الحرب الإعلامية النفسية التي استهدفت هزيمة القوى الجمهورية وحلفائها نفسياً ومعنوياً كشرط ضروري لهزيمتهم عسكرياً، كان لها أثرها في أوساط المواطنين والقوى الاجتماعية الحليفة للثورة، وتسببت في إحداث إرباكات في أوساط المواطنين والقيادة العسكرية والسياسية.
“قبل بدء المعركة كنا بحاجة إلى أي شكل من أشكال العمل الدعائي والحرب النفسية، الهادفة امتصاص الإثارة النفسية التي خلقتها الدعاية والحرب النفسية المعادية في صفوف الجماهير، ورفع الروح المعنوية للشعب وأنصار الجمهورية في أوساط القبائل، وإظهار مدى قوتنا العسكرية وإرهاب القوى المعادية، وإضعاف تحالفها مع القبائل.
“وكنا بحاجة إلى وسائل إضافية إلى جانب المحطات الإذاعية في صنعاء وتعز فالصحافة كانت محدودة الأثر لصعوبة وصولها إلى المواقع التي نرجوها والعمل الدعائي السياسي الذي كانت تقوم به المقاومة الشعبية كان محدود الأثر على السكان أوكلت هذه المهمة لسلاح الجو الذي نفذ نهاية نوفمبر عدة طلعات القي فيها منشورات دعائية ترهب القوى المعادية وتضعف من روحها المعنوية وتظهر مدى قوة الجمهورية، بعدها بثلاثة أيام نفذ سلاح الطيران أولى مهامه القتالية بإغارة قوية ومركزة على واحدة من أكبر التجمعات المعادية في منطقة جحانة وهذه الغارة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالقوات المعادية، وأضعفت من قدراتها على تحقيق هجوم خاطف عبر المحور الجنوبي كان لها اثر كبير في ضرب الروح المعنوية للقوى الملكية وحلفائها.
وعلى النقيض من ذلك فإن خطة الاستخدام المبكر للطيران كان له وقعاً إيجابياً على معنويات سكان العاصمة والمدافعين عنها وعلى القبائل المناصرة للجمهورية.”
ولمواجهة الارتباكات التي تسبب بها ترك بعض القيادات العسكرية لمواقعها القيادية ومغادرة العاصمة، تمت الدعوة إلى اجتماع عام حضره عدد كبير من ضباط القوات المسلحة في نادي الضباط سابقاً (مقر دائرة التوجيه المعنوي حالياً)، واجتماع آخر عقد في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة (العرضي).
وكانت هذه الاجتماعات بمثابة مؤتمر وشكل من أشكال العمل لقيادة المعركة في ظروف استثنائية مصيرية، فيها تم انتخاب قيادة عسكرية لإدارة المعركة من أوساط الضباط المشهود لهم بالولاء والإخلاص والشجاعة والكفاءة ويحضون بثقة مرؤوسيهم.. تم انتخاب مجلس للدفاع وتم انتخاب النقيب محمد صالح فرحان قائداً لسلاح المشاة والنقيب علي مثنى جبران قائداً لسلاح المدفعية والمقدم محمد شايف جار الله قائداً للقوات الجوية والمقدم محمد عبدالخالق قائداً لسلاح المدرعات والمقدم محمد فايع قائداً لسلاح الإشارة.
وفي اعتقادي أن هذا الإجراء الاستثنائي المخالف للعرف والتقاليد المعمول بها في كل الجيوش، كان له أهميته وثبتت فاعليته أثناء المعارك.
خطة الهجوم
“أطلق عليها تسمية “الجنادل” ووضعها الجنرال (كواندا) الأمريكي الأصل الذي عمل مسؤولاً للمخابرات الأمريكية في الجزيرة العربية، ومساعده المرتزق الدولي (بوب دينار) ومرتزقة آخرون من ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيران وبعض الدول العربية.
وقد شرع الأعداء بإعداد خطة إسقاط صنعاء وهم على ثقة مطلقة بالنصر من الناحية المادية والمعنوية، أما أهداف هذه الخطة فقد حددت سلفاً وبالذات بعد نكسة 5 حزيران 67م التي حتمت انسحاب القوات المصرية من اليمن، وتعززت هذه القناعة بعد اتفاقية الخرطوم والتنكر لأهم شروط هذه الاتفاقية القاضي بوقف دعم القوات الملكية مقابل انسحاب الجيش المصري، والمضي قدماً في طريق الحسم العسكري وابرز هذه الأهداف هي:
– إسقاط النظام الجمهوري واقتلاعه إلى الأبد وإعادة نظام الإمامة الملكي.
– إجهاض استقلال جنوب الوطن.
– القضاء على قوى التغيير والتحديث الثورية كفكر وقوة اجتماعية.
وضعت هذه الخطة وفق اعتبارات وحسابات سياسية وعسكرية داخلية وخارجية لا يشك واضعوها في دقتها وصحتها.
“إن الإعداد لهذه الخطة كان كافياً من ناحية حجم القوات المعادية وعدتها وتعدادها ونوعية تسليحها، يقابله قلة عدد القوات الجمهورية وتخلف تسليحها وانقسام اجتماعي حاد في صفوف القبائل بين ملكيين وجمهوريين. ويمكن إبراز أهم العوامل على النحو التالي:
1-الرهان على انشقاق الصف الجمهوري بعد حركة 5 نوفمبر بين أنصار السلال والقبائل الموالية له، وبين أنصار الحركة والقبائل الموالية لها.
2-الوضع الاقتصادي والمالي الحرج للجمهورية وعجزها عن تمويل متطلبات الحرب.
3-الرهان على استحالة تقديم الدعم والمساندة من قبل الدول العربية المتحررة وبالذات مصر بفعل ما اعتقدوه خلافات بين عبدالناصر حليف السلال، والقيادات اليمنية الحالية التي كان غالبيتها في السجن الحربي بمصر.
4- استحالة تقديم مساعدة من جنوب الوطن منذ اليوم الأول للاستقلال وانشغاله بانقساماته الداخلية بين الجبهة القومية وجبهة التحرير.
5- من الناحية التكتيكية كانت الخطة مبنية على ما يتمتع به العدو من
تفوق مادي ملموس في العديد من الجوانب والقوى المادية، وخصوصاً ما
يتعلق بالإمداد والتموين، وحجم القوى البشرية، ونوعية التسليح الحديث،
والاحتياط البشري القابل للتعبئة والدفع به في ميدان القتال خلال فترة وجيزة باستخدام الأموال الكبيرة.
6- السيطرة شبه المطلقة على منطقة جغرافية واسعة متاخمة لقواعدهم الرئيسة، تجعلهم يخوضون حربهم انطلاقاً من قاعدة مؤمنة بصورة تامة وضمان بقاء خطوط إمداداتهم سالكة وغير مهددة.
لتنفيذ هذه الخطة حشد العدو أعداداً هائلة من قواه البشرية وإمكانياته المادية، وصل تعداد المسلحين من رجال القبائل والمرتزقة إلى حدود 50 ألف مقاتل إلى جانب 8 آلاف مقاتل من الجند النظاميين الذين تم إعدادهم وتدريبهم من قبل خبراء ومرتزقة دوليين في معسكرات خاصة لإدارة واستخدام الأسلحة والمعدات الثقيلة والمتطورة التي لم يسبق استخدامها في المعارك الماضية. ” الإستراتيجية الدفاعية.
كانت قيادة معارك السبعين في جوهرها الرئيسي صراع ارادات وصراع في الفكر والإستراتيجية الحربية وقدرات كل طرف على الاستخدام الفاعل للإمكانات واستغلالها الأمثل لكسب النصر، وأثبتت الأحداث والوقائع العبقرية الإستراتيجية والعسكرية للقيادة اليمنية ممثلة بالقائد العام للقوات المسلحة الفريق حسن العمري وبراعته في انتزاع المبادرة وفرض خياراته في الحرب وإفشال خطط الخصم وتجريده من كل عوامل التفوق المادي والبشري.
“بدأت العمليات العسكرية لحصار السبعين بتقدم طليعة ضاربة من القوات المهاجمة بأسرع ما يمكن باتجاه العاصمة صنعاء للسيطرة على المواقع الإستراتيجية المهمة حول العاصمة، وفي الوقت نفسه تجاوز العديد من المعسكرات والمواقع التي كانت ترابط فيها قوات الجيش الجمهوري وبالذات الوحدات الموجودة في حجة، ولواء الثورة في (ثلا وكوكبان) ووحدات المظلات المرابطة في الحيمتين وبني مطر.
“أراد الخصم من خلال هذه الإستراتيجية الهجومية تحقيق جملة من الأهداف أهمها استغلال الوقت للوصول إلى أكثر النقاط قرباً من العاصمة والسيطرة على المواقع الإستراتيجية التي تمكنه من قطع طرق الإمدادات للعاصمة وجعلها ضمن دائرة نيران مدفعيتها وقصفها لإضعاف الروح المعنوية للمواطنين وتهيئة الوضع الداخلي لنشاط طابوره الخامس من وسط السكان، والهدف الآخر تمثل في عزل القوات المرابطة خارج العاصمة ومحاصرتها بهدف شل فاعليتها وتدميرها أو إجبارها على الاستسلام لما لذلك من أهمية سياسية وعسكرية ودعائية للقوات الملكية.
“هنا أود أن أشير إلى أن القيادة العامة للقوات المسلحة وبعد انسحاب القوات المصرية لم تعط أي أهمية إستراتيجية لكل الجبال المحيطة بصنعاء مثل جبل الطويل، وعيبان وظفار، مما سهل للقوات المعادية السيطرة عليها دون مقاومة، ونصب استحكامات شرعت من خلالها بقصف العاصمة.
“كانت إستراتيجيتنا الدفاعية مبنية على أساس الاستخدام الأمثل للإمكانات والموارد العسكرية المتاحة، وتتكون من عدة مراحل مترابطة هي:
المرحلة الأولى: تتمثل في الحفاظ على العاصمة وتأمينها بطوق دفاعي قوي ومرن، وامتصاص الضربات الهجومية، والحيلولة في الوقت ذاته دون حدوث أي اختراقات، (فدخول القوات الملكية إلى العاصمة يعني سقوط شرعية النظام الجمهوري) والحرص في هذه المرحلة على إنزال اكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو المهاجم لإضعاف روحه المعنوية واستنزاف فاعليته الهجومية.
المرحلة الثانية: اعتمدنا أسلوب حرب العصابات والاغارات الموجهة إلى الحلقات الرئيسية والحلقات الأضعف للقوات المعادية وتدمير مواقعها وأسلحتها ذات الخطر النسبي وبالذات تلك التي تقصف المدينة، وهذه المرحلة تتضمن العمل خلف خطوط القوة المهاجمة باستخدام الجيش الشعبي والقوات المرابطة خارج العاصمة في المحافظات الأخرى، بهدف تخفيف الضغط على العاصمة واستنزاف الخصم وإرباكه وفرض حصار عليه.
المرحلة الثالثة: هي الانتقال إلى الهجوم المضاد وفتح الطرق عبر هجوم كاسح منظم ومتكامل بين القوات المتواجدة خارج العاصمة، والقوات المدافعة داخلها والقوات الجوية.