الخطاب الموجه من الأخ رئيس الجمهورية إلى أبناء الشعب بمناسبة عيد الفطر المبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الهدى وخاتم الأنبياء.

يا أبناء اليمن الأوفياء أينما كنتم داخل الوطن وخارجه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يسعدني أن انتهز فرصة حلول عيد الفطر المبارك لأتوجه إليكم وإلى سائر المسلمين معكم بأحر التهاني سائلاً الله جل وعلا أن يتقبل منا جميعاً صيامنا وقيامنا وأن يعيد علينا هذه المناسبة عاماً بعد عام بموفور الصحة والسعادة إنه سميع مجيب. وإذا كان العيد مناسبة لتبادل التهاني والزيارات فإنه أيضاً فرصة لتجسيد التكافل الاجتماعي والتراحم الأخوي حتى تعم الفرحة وتتوطد أواصر المحبة ووشائج الإخاء عملاً بقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وقوله تعالى (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) وقوله تعالى (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون) "صدق الله العظيم".

وإذا كانت الدولة هي صاحبة الحق في جباية الزكاة وإنفاقها في مصارفها الصحيحة بما يحقق المصلحة العامة فذلك لأنها التي تضطلع بمسئولية إنجاز المشاريع وتقديم الخدمات العامة سواء في مجالات الكهرباء والطرقات والتعليم والصحة أو الضمان الاجتماعي ورعاية المحتاجين وغير ذلك من المشاريع والخدمات التي تعود بالنفع العميم على الجميع.

أيها الأخوة الأعزاء:

لعل احتفالنا هذه المرة بعيد الفطر المبارك يتميز بدلالات ومعانٍ خاصة ؛ ذلك لأن وطننا قد استطاع الآن وبحمد الله أن يرسخ أقدامه من جديد على الصعيد الاقتصادي توطئة للانطلاق صوب آفاق التقدم والنهوض وتحقيق الكثير من التطلعات الوطنية الملحة على كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والثقافية وغيرها بعد أن استطاع شعبنا بعون من الله سبحانه وتعالى وبصبره وصموده أن يتغلب على العديد من التحديات وأن يتجاوز الكثير من الصعاب وأن يضحي بسخاء في سبيل نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري الذي بدأ يؤتي ثماره تدريجياً كما يتجلى ذلك بوضوح في ما طرأ من تحسن ملموس ومستمر في الوضع الاقتصادي وانخفاض حجم العجز في موازنة الدولة واستقرار سعر عملتنا الوطنية الآخذة في الارتفاع وتدني أسعار بعض المواد بعض الشيء وزيادة حجم الاستثمارات.

كما أن مما يبعث على الكثير من التفاؤل أن اقتصادنا بعد أن استعاد عافيته بات يتهيأ الآن وخلال هذا العام 1997م لانطلاقة واعدة صوب الانتعاش والازدهار خاصة مع البدء في تنفيذ الخطة الخمسية الأولى للتنمية ومع ما حفلت به موازنة عام 1997م من مؤشرات إيجابية على صعيد تحسين الأداء الاقتصادي إذ أن المعركة التي ينبغي أن تستحوذ على كل اهتمامنا وأن نحشد لها كل طاقاتنا وجهودنا هي معركة الاقتصاد والتنمية ويحدونا اليقين بأننا سننتصر فيها بإذن الله كما انتصرنا في معركة الدفاع عن الوحدة والوطن.

أيها الأخوة المواطنون الكرام :

إن ما تحقق من نجاحات لا ينبغي له أن يجعلنا نسترخي وأن نتهاون ؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لنا جميعاً على بذل المزيد من الجهود للاندفاع صوب الأمام وتشمير السواعد وحشد الطاقات وتفجيرها في مجالات البناء والإنتاج والإبداع والخير وصولاً إلى ما يترجم كل الغايات الوطنية في النهوض والتقدم فعملية البناء منظومة متكاملة ومترابطة تستدعي تضافر الجهود الوطنية ومواصلة العطاء في كافة ميادين العمل والإنتاج بهمة ونشاط وأن يضطلع الجميع أفراداً وأحزاباً بواجباتهم ومسؤولياتهم من أجل صنع الغد الأفضل للوطن.. وبهذه المناسبة نوجه الحكومة بالعمل المستمر على تقويم الأداء والارتفاع بمستوياته في كافة المجالات والأجهزة وأن تعمل على حل قضايا المواطنين أولاً بأول ومواصلة العمل بهمة ونشاط لتسريع وتأئر البناء وترجمة أهداف التنمية الشاملة.

وإن من مهام التي يجب أن تحظى بأولوية في الفترة القليلة القادمة هي قضية الإصلاح الإداري وتطوير الجهاز الإداري الذي سيرتكز على الاستفادة من كافة الكوادر المؤهلة والمخلصة القادرة على النهوض.. بواجباتها بكفاءة واقتدار وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب وتطهير الإدارة من أية عناصر فاسدة أو مخلة بواجباتها.

ونحث الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وأجهزة النيابة ومحاكم الأموال العامة على الاضطلاع بواجباتها في مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين وصيانة المال العام من أي عبث وتكريس واحترام الأنظمة والقوانين في مجال الإدارة وفي كل المجالات.

ولقد قامت الحكومة بالفعل بتفويض أجهزة السلطة المحلية في المحافظات بالصلاحيات المالية والإدارية اللازمة لتطبيق مبدأ اللامركزية المالية والإدارية بناءً على توجيهاتنا السابقة ونود أن نحث الحكومة من جديد بالاهتمام بجوانب الاستثمار وأن تقدم للمستثمرين كافة التسهيلات التي ينص عليها قانون الاستثمار وحتى يقوم القطاع الخاص الوطني والعربي والأجنبي بدور أكبر في خدمة أهداف التنمية.

أيها الأخوة المواطنون الأعزاء:

إن وطننا يعيش الآن مرحلة تحولات مهمة وعلى كافة الأصعدة السياسية والديمقراطية والتنموية.. وإن ذلك أدى إلى أن نتهيأ جميعاً لولوج هذه المرحلة بروح جديدة وعقول واعية متفتحة خالية من كل عقد الماضي ورواسبه وبتجرد عن منطق الثأر وتصفية الحسابات العصبية.. وأن نتحاشى كل ما من شأنه إثارة الخلافات والأزمات والفتن.. إذ يكفي وطننا ما عاناه في الماضي نتيجة ذلك التفكير الخاطئ والسلوكيات والتصرفات السلبية التي أعاقت مسيرته ولم تورث لشعبنا سوى العناء والعذاب خاصة وأنه قد آن الأوان لأن نطوي تلك الصفحة السوداء، وأن نغلق كل ملفات الماضي ونتطلع إلى غد جديد ومستقبل أفضل مفعم بالأمل والخير كي نحقق فيه مصالح الوطن ونضعها فوق كل اعتبار حزبي أو ذاتي.

وإنه من الطبيعي في ظل النهج الديمقراطي التعددي الذي اختارته بلادنا لنفسها كخيار وطني ووسيلة مثلى للبناء في الوطن أن تتباين الرؤى وتتعدد الاجتهادات وذلك حق مشروع ولا غبار عليه لكن لا ينبغي أن يقودنا هذا إلى الخلافات والصراعات وإنما يتعين علينا أن نحل قضايا التباين مهما كانت بالحوار والتفاهم وبالمنطق والإقناع بعيداً عن لغة العنف والقوة بمنأى عن الدسائس وافتعال الأزمات أو الارتهان الخارجي الضار بالوطن.

وإن من المهم في قضية الديمقراطية أن يفهم الجميع كيف يمارسونها ويتفاعلون معها بإيجابية ومسؤولية فالديمقراطية قبل أي شيء آخر هي سلوك وإنجاز فيما أن النقد الذي تسمح به الديمقراطية ينبغي أن يكون للبناء وليس للهدم.

وبناء على ذلك فإننا ننظر إلى الانتخابات النيابية القادمة التي تجري حالياً الاستعدادات من أجل إجرائها يوم 27 إبريل 1997م في مناخات حرة ونزيهة كمحطة جديدة على طريق تكريس الديمقراطية وتطويرها وإثرائها بالممارسة المسؤولة المعبرة عن حقية الإرادة الشعبية وتطبيقاً لمبدأ التداول السلمي للسلطة عبر الاحتكام لصناديق الاقتراع. لذلك فإنه من الواجب أن تتضافر الجهود وتتلاحم الصفوف من أجل إنجاحها باعتبارها مسؤولية وطنية وقضية تهم كل أبناء شعبنا وبالتالي فإننا ندعو الجميع في الوطن إلى التنافس السلمي والمشروع مع تجنب الأذى أو التجريح أو الإضرار بالوحدة الوطنية وبحيث يسود التسامح والود والوئام وأن يعمل الجميع بإيثار ونكران للذات من أجل الوطن ورفعته وتقدمه.

أيها الأخوة المواطنون الكرام:

إنه لمن المحزن أن يهل هذا العيد على أمتنا العربية والإسلامية وهي ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من التضامن برغم أنها تواجه الكثير من التحديات التي تستهدف أمنها واستقرارها ومستقبلها ووجودها الحضاري.

وإننا في الجمهورية اليمنية مازلنا نتمسك بإيماننا الراسخ بأن التضامن هو طريق القوة للأمة وأن الأمن القومي العربي كلٌ لا يتجزأ وحلقات مترابطة وأن ما يتعرض له أي قطر شقيق من تهديدات لأمنه واستقراره وسيادته ينعكس بآثاره السلبية على مجمل أقطار أمتنا العربية والإسلامية والدول المجاورة.

وعليه فإننا ندعو كافة الأشقاء مجدداً إلى العمل الجاد من أجل طي صفحة الماضي ونبذ الخلافات، واستعادة التضامن وتوحيد الصفوف توطيداً لروابط الإخاء والتعاون بين كافة أبناء أمتنا العربية الإسلامية حتى نكون أقدر على قهر كل التحديات الصعبة التي ما فتئت تواجهنا وتجاوز هذه الظروف التي تتكالب فيها علينا مجتمعين مؤامرات الأعداء وتهديداتهم.

وإننا على يقين بأن أمتنا مهما واجهتها من الصعاب والتحديات ومهما نشأت بين أقطارها من خلافات وتباينات فإنها تظل أكثر إقتداراً من غيرها في الحاضر والمستقبل على تجاوزها وإنهاء أسبابها وهذا ما نتطلع إليه بإذن الله.. مؤكدين موقف بلادنا الثابت في سياستها الخارجية المنطلقة من مبادئ الاحترام والاستقلال وحُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعامل المتكافئ مع جميع الدول بما يخدم المصالح المشتركة وينمي من المنافع المتبادلة.

وبهذه المناسبة نعبر عن ارتياحنا لما وصلت إليه علاقات بلادنا مع أشقائها وأصدقائها عموماً ومع الدول المجاورة وخصوصاً وفي طليعتها المملكة العربية السعودية الشقيقة بحكم تسارع الجهود المخلصة من أجل تعزيز العلاقات معها وتطويرها في كافة المجالات وإنهاء مسألة الحدود بين البلدين الجارين الشقيقين على أساس من التفاهم والتراضي وبما يحقق المصالح المشتركة للشعبين العربيين المسلمين والجارين، ولقد كانت المباحثات الأخوية التي أجرينها قبل أيام مع أخي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية الشقيقة مباحثات بناءة ومثمرة تصب في مصلحة الشعبين الشقيقين وخيرهما وازدهارهما وخدمة الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.

أيها الأخوة المواطنون:

وإنه لمن جميل الصدف أن يتزامن حلول عيد الفطر المبارك مع الذكرى التاسعة والعشرين لانتصار شعبنا وقواته المسلحة والأمن في ملحمة السبعين يوماً والتي تجسدت فيها الوحدة الوطنية والتلاحم الوطني في أروع صورهما وحققت جماهير شعبنا بذلك الانتصار شموخ ورسوخ النظام الجمهوري الخالد وإلى الأبد وأكدت من خلال تلك التضحيات الجسيمة التي قدمتها عبر مراحل النضال الوطني، وأثناء حصار السبعين يوماً للعاصمة التاريخية والسياسية لليمن الواحد.

إن إرادة شعبنا الحرة ستظل منتصرة دوماً، وبهاتين المناسبتين العزيزتين أكرر لكم التهنئة وباسمكم أحيي أبناء قواتنا المسلحة والأمن في كل مواقع الشرف والواجب وأينما كانوا مرابطين على قمم الجبال والسهول والأدوية أو في الشواطئ والجزر ومياهنا الإقليمية عيوناً ساهرة وحماة أشاوس يذودون عن الوطن وسيادته واستقلاله ويصونون أمنه واستقراره ومكاسبه ومنجزاته.. فلهم التهاني وجزيل التحايا.. سائلاً المولى عز وجل أن يتغمد بواسع رحمته شهداء الوطن الذين ضحوا بأرواحهم انتصاراً لإرادة شعبنا في الثورة اليمنية والوحدة وحمايتها.

ونسأل الله أن يسدد خطانا جميعاً على طريق الخير والتقدم والنجاح والتوفيق إنه سميع مجيب

عيد سعيد وكل عام وأنتم بخير، ، ،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .